عماد الدين خليل

195

دراسة في السيرة

عتمة من الليل ، شننا عليهم الغارة ، فقتلنا من قتلنا واستقنا النعم وقفلنا عائدين بعد أن جاءنا منهم ما لا قبل لنا به . . . » ولم يكن عدد أفراد هذه السرية يجاوز البضعة عشر رجلا « 1 » . وانطلق شجاع بن وهب في أربعة وعشرين رجلا إلى بني عامر فشن عليهم الغارة وأصاب نعما وشاء « 2 » . وسار أبو عبيدة عامر بن الجراح في ثلاثمائة من المهاجرين والأنصار مستهدفين قبائل جهينة . . وكان الطريق طويلا ، فنفد ما معهم من قوت ، وراح الجوع يعتصرهم ، وقال رجل منهم : كان أبو عبيدة يقبض لنا قبضة من التمر ، ثم تمرة تمرة ، فنمصها ونشرب عليها الماء إلى الليل حتى نفد ما في الجراب فكنا نجني الخبط ، إذ جعنا جوعا شديدا ، وما لبث البحر أن ألقى إلينا حوتا ميتا فأكلنا منه حتى شبعنا « 3 » . وسرايا أخرى قادها مسلمون آخرون ، انطلقت إلى أهدافها بشجاعة ، وعادت وقد لقنت الأعراب ودعاة الفتنة دروسا لن ينسوها « 4 » . ولم يقف الرسول صلى اللّه عليه وسلم عند حد اعتماد الهدنة مع قريش لتأديب الأعراب ، بل نشط منذ أواخر السنة السادسة ، وحتى فتح مكة ، في توجيه دعاته وسفرائه إلى كبار أمراء العرب الوثنيين وزعمائهم ومشايخهم يدعوهم إلى الإسلام ، في نفس الفترة التي كان قد وجّه فيها سفراءه ومبعوثيه إلى أباطرة العالم وملوكه يعرض عليهم الدعوة التي بعث بها إلى الناس جميعا . . أرسل العلاء بن الحضرمي إلى المنذر بن ساوى العبدي ، أمير البحرين والمناطق الشمالية المطلة على الخليج العربي ، وكتب إليه كتابا جاء فيه : « بسم اللّه الرحمن الرحيم . من محمد النبي رسول اللّه إلى المنذر بن ساوى . سلام عليك . فإني أحمد إليك اللّه الذي لا إله إلا هو . أما بعد فإن كتابك جاءني ورسلك ، وإن من صلى صلاتنا وأكل ذبيحتنا واستقبل قبلتنا فإنه مسلم ، له ما للمسلمين وعليه ما على المسلمين ، ومن أبى فعليه الجزية » . فأسلم المنذر ومعه الكثيرون من

--> ( 1 ) الطبري 3 / 27 - 28 ابن سعد 2 / 1 / 89 - 91 الواقدي 2 / 750 - 752 . ( 2 ) الطبري 3 / 29 ابن سعد 2 / 1 / 91 - 92 الواقدي 2 / 753 - 755 . ( 3 ) الطبري 3 / 32 - 33 ابن سعد 2 / 1 / 95 الواقدي 2 / 774 - 777 . ( 4 ) انظر : الطبري 3 / 34 - 36 وابن سعد 2 / 1 / 91 - 96 والواقدي 2 / 741 ، 752 - 753 ، 777 - 780 .